الأحد 1 نوفمبر 2020 12:38 صـ
تفاصيل بوست
    آراء حرة

    صنعاء.. قد طال السفر

    عبدالله السعدون
    عبدالله السعدون

    في العام 1979 أقلعت وزميلي من مطار صنعاء بطائرتين من طراز "ف5" ومع كل منا طالب من اليمن، الرحلة تدريبية والجو يبعث على النشاط والحيوية، والسحب المتفرقة تزيده جمالاً، وسلاسل الجبال تمتد إلى ما لا نهاية، التدريب يستمر على ارتفاع منخفض ينسيك وقت العودة للقاعدة، أكبر التحديات للطائرات المقاتلة هو محدودية الوقود، ومع العودة إلى صنعاء توقفت أجهزة الملاحة عن العمل، والمنقذ في مثل هذه الحالات هو العودة إلى أسس ومبادئ الطيران، صعدنا إلى ارتفاع 30.000 قدم لتوفير الوقود ولتعمل أجهزة الملاحة والاتصالات، اتجهنا إلى الجنوب باتجاه صنعاء، طلبنا معرفة الاتجاه، لكن لا مجيب، الوقت بعد الثانية ظهراً، وقت جلسة القات المفضلة، لاح لنا جبل براش ثم مطار صنعاء نزلنا بسلامة الله ولم يتبقّ من الوقود إلا قليله، لكنه درس مهم لنا وللطالبين.

    تنقلنا داخل اليمن، زرنا أهم مدنه، توقفنا ونحن في طريقنا إلى تعز في مطعم تديره سيدة كلها حيوية ونشاط، أكلنا السلتة وهي وجبة شهية مكونة من اللحم والحلبة الخضراء مع الخبز الطازج، وشلال الماء النازل من جبال إب يعزف لحنه الجميل إلى جوارنا، سهرنا في تعز وبقينا في المقهى المقابل لجبل صبر حتى أطفأ الجبل أنواره ونام ثم نمنا.

    عرفنا الشعب اليمني عن قرب فوجدنا الطيبة والكرم، فهو امتداد للأصالة العربية، كوّنا صداقات مع طلبتنا ومع المسؤولين في القوات الجوية، نأتي إلى صنعاء من الرياض ومعنا ما أوصوا به من أجهزة كهربائية وغيرها، ونعود إلى المملكة محملين بالبن والزبيب وفواكه الموسم.

    عدت إليه في العام 2009 فهالني ما رأيت: الفقر والتسول والزحام وفوضى المرور، الفساد يقابلك في كل مكان، تلك السيدة التي تدير المطعم شاخت وأصابها الوهن والمرض مثل صنعاء تماماً، عدت محزوناً وخائفاً على اليمن وكتبت مقالاً في جريدة الشرق الأوسط لا يزال موجوداً عنوانه: "خوفي عليك وخوفي منك يا يمن".

    لقد دمرت الانقلابات والشعارات الرنانة والأحزاب من قومية واشتراكية ودينية كل مقومات الدولة العصرية في اليمن، وقد كان للانتماءات الخاطئة والفساد المستشري من القمة إلى القاعدة دورهما في تدمير اقتصاد اليمن، وكان الموقف من غزو العراق للكويت بداية الكساد وفقدان الريال اليمني لقيمته.

    استثمرت إيران الوضع الاقتصادي المتردي فأسست لها حزباً في صعدة في بداية التسعينات على غرار حزب الله في لبنان، وقام بستة حروب دمرت كل ما بقي من دولة اليمن، وانتهى باحتلال الحوثيين لصنعاء. وكصديق محب للشعب اليمني ومن قلب صادق أرى أن على الإخوة في اليمن مواصلة جهودهم في قطع الطريق على المتربصين ببلادهم عبر الرفض الشعبي لما تقوم به الحكومة الانقلابية من تدمير كامل لمقدرات اليمن وعسكرة البلاد وتجنيد الأطفال، والأخطر هو نشر ثقافة الكراهية والطائفية والمذهبية ومسميات السلالة والتميز والانتقائية، ثقافة حين تزرع في عقول الصغار فمن الصعب اجتثاثها، وهذا هو أخطر ما تصدره الثورة الإيرانية لكل بلد تتمكن منه، ولكم في لبنان خير مثال حيث بدأت قوارب الموت تحمل شبابه إلى المجهول هرباً من الجوع والفقر بعد أن كان سويسرا الشرق، ويكفي أن ترى إيران من الداخل، أو أن تعرف مقدرا السقوط المدوي للريال الإيراني مقابل الدولار (دولار واحد يساوي 300.000 ريال) لتستنتج أين تسير إيران وكل حكومة تسير على خطاها.

    كما لا يمكننا إغفال دور أبناء اليمن وشيوخه والمحبين لليمن وكل المخلصين من قادته سواء داخل اليمن أو خارجه، إذ عليهم أن يقدموا مصالح اليمن على مصالحهم الشخصية، ويقفوا بحزم ضد حزب يوالي دولة تحكم بعقلية العصور الوسطى وما بها من خرافات وغيبيات وولي وفقيه، أفكار لم يعد لها مكان في القرن الواحد والعشرين، لا بد أن يقول كل يمني محب لليمن ويهمه مستقبل بلده وأولاده كفى عبثاً بمستقبل اليمن ومقدراته.

    ومن المهم التأكيد على أن الامتداد الطبيعي لليمن هو محيطها العربي، يقول المثل الشعبي "ينفعك من نفع نفسه" دول مجلس التعاون تعيش أوضاعا مستقرة واقتصاديات قوية رغم الظروف الصعبة العالمية، وهي امتداد اليمن الطبيعي، المملكة تستضيف قرابة خمسة ملايين يمني يعملون في التجارة والزراعة والخدمات ويحظون بكل تقدير واحترام، والقادم أفضل بإذن الله.

    المقال لا يتسع للمزيد لكنها رسالة من محب لبلده، ولليمن، وللأمة العربية، وللسلام في العالم أجمع، فلا شيء يبني الأوطان كالسلام والتعاون والتكاتف ونسيان الماضي بكل مآسيه وتجاربه الفاشلة وولاءاته الخاطئة.

    وأخير أقول: خلاصك يا صنعاء لن تجديه في قم ولا طهران ولا في الضاحية الجنوبية من بيروت، لكنه لدى أشقائك في الرياض وأبوظبي ومسقط والكويت والمنامة والقاهرة، ستجدين كل دعم ومؤازرة، فانتفضي على كل من له مصلحة في استمرار الحرب غير آبه بمآسي الشعب.

    صنعا الرياض عبدالله السعدون